فخر الدين الرازي

75

تفسير الرازي

ثم إنه تعالى بين حالهم عند نزول ذلك الوعد فقال تعالى : * ( فلما رأوه زلفة سيئت وجوه الذين كفروا ) * وفيه مسائل : المسألة لأولى : قوله * ( فلما رأوه ) * الضمير للوعد ، والزلفة القرب والتقدير : فلما رأوه قرباً ويحتمل أنه لما اشتد قربه ، جعل كأنه في نفس القرب . وقال الحسن : معاينة ، وهذا معنى وليس بتفسير ، وذلك لأن ما قرب من الإنسان رآه معاينة . المسألة الثانية : قوله : * ( سيئت وجوه الذين كفروا ) * قال ابن عباس : اسودت وعلتها الكآبة والقترة ، وقال الزجاج : تبين فيها السوء ، وأصل السوء القبح ، والسيئة ضد الحسنة ، يقال : ساء الشيء يسوء فهو سيئ إذا قبح ، وسيئ يساء إذا قبح ، وهو فعل لازم ومتعد فمعنى سيئت وجوههم قبحت بأن علتها الكآبة وغشيها الكسوف والقترة وكلحوا ، وصارت وجوههم كوجه من يقاد إلى القتل . المسألة الثالثة : اعلم أن قوله : * ( فلما رأوه زلفة ) * إخبار عن الماضي ، فمن حل الوعد في قوله : * ( ويقولون متى هذا الوعد ) * ( الملك : 25 ) على مطلق العذاب سهل تفسير الآية على قوله فلهذا قال أبو مسلم في قوله : * ( فلما رأوه زلفة ) * يعني أنه لما أتاهم عذاب الله المهلك لهم كالذي نزل بعاد وثمود سيئت وجوههم عند قربه منهم ، وأما من فسر ذلك الوعد بالقيامة كان قوله : * ( فلما رأوه زلفة ) * معناه فمتى ما رأوه زلفة ، وذلك لأن قوله : * ( فلما رأوه زلفة ) * إخبار عن الماضي وأحوال القيامة مستقبلة لا ماضية فوجب تفسير اللفظ بما قلناه ، قال مقاتل : * ( فلما رأوه زلفة ) * أي لما رأوا العذاب في الآخر قريباً . وأما قوله تعالى : * ( وقيل هذا الذي كنتم به تدعون ) * ففيه مسائل : المسألة الأولى : قال بعضهم : القائلون هم الزبانية ، وقال آخرون : بل يقول بعضهم لبعض ذلك . المسألة الثانية : في قوله : * ( تدعون ) * وجوه : أحدها : قال الفراء : يريد تدعون من الدعاء أي تطلبون وتستعجلون به ، وتدعون وتدعون واحد في اللغة مثل تذكرون وتذكرون وتدخرون وتدخرون وثانيها : أنه من الدعوى معناه : هذا الذي كنتم تبطلونه أي تدعون أنه باطل لا يأتيكم أو هذا الذي كنتم بسببه وتدعون أنكم لا تبعثون وثالثها : أن يكون هذا استفهاماً على سبيل الإنكار ، والمعنى أهذا الذي تدعون ، لا بل كنتم تدعون عدمه . المسألة الثالثة : قرأ يعقوب الحضرمي * ( تدعون ) * خفيفة من الدعاء ، وقرأ السبعة * ( تدعون ) * مثقلة من الادعاء .